محمد المدني الحمراوي
سلا، لو ترى، بهجـة الناظـر *** وفي ربعهـا سلـوة الخاطـر
تذكرنـي كلـمـا زرتـهـا *** بمجـد لهـا تـالـد غـابـر
كأنـي بهـا لـم تـزل أمـة *** لشاطئهـا عــزة القـاهـر
سفائنهـا بالـردى أبـحـرت *** إلـى كـل مستأسـد جائـر
تشـق العبـاب إلـى وقعـة *** بهول بعيـد الصـدى ماخـر
بـوارج عائمـة أشبـهـت *** جبـالا تسيـر علـى مائـر
قلاع إذا ركـدت حصنـت *** ديـارا بسـور لهـا دائــر
وإن سبحت عجلـت غـارة *** فعـادت بنصـر لهـا باهـر
غنائمهـا أثقـلـت حملـهـا *** فسارت علـى مهـل حـاذر
تلوح من البعـد إن أقبلـت *** بروجـا علـى جبـل عابـر
وأبطالهـا كليـوث الشـرى *** لهم صولـة الجحفـل الظافـر
لأسر العدى أحكمـوا خطـة *** تطيـح بشيطنـة الشـاطـر
فـلا يتقـي كيدهـا باسـل *** يـراوغ فـي مكـره الماكـر
فليس لمـن قصـدت صوبـه *** سوى حظـه الأنكـد البائـر
يمـوت إذا شـاء مستقـتـلا *** وإلا ففـي قبضـة الآســر
ليوث سـلا مجدهـم خالـد *** يجـول بصيـت لهـم طائـر
فكم من أساطيل قد أغرقـوا *** وصالوا علـى معتـد كافـر
وكم حطموا من سفين العدى *** علـى لجـج الهائـج الهـادر
قراصنة الـروم مـن بأسهـم *** علـى فـزع دائـم حاضـر
فليس لهـم إن رأوا فلكهـم *** سوى نفـرة الهـارب النافـر
يرون الردى خلفهـم طـاردا *** ومستأصـلا شأفـة الدابـر
فلله مـن عصبـة أخلصـوا *** جهـاد عـدو لهـم واتــر
وقاموا بصون الحمـى عندمـا *** رأوه علـى خـطـر فـاقـر
تصـون تواريخنـا فضلـهـم *** فليـس بنسـي ولا داثــر
ونذكر ما قدمـوا مـن يـد *** ونجعلهـا عــدة الـذاخـر
ونأخذ مـن درسهـا عبـرة *** فنمشي على منهـج الباصـر
فمـا كالعزائـم إن جـردت*** فـإن لهـا حــدة البـاتـر
ولا كالتواكـل مـن آفــة *** تعـود بعجـز علـى قـادر
ومـا كـان آباؤنـا عـالـة *** تضعضعهم صيحـة الزاجـر
ولا يسلمون الحمى إن دهـت *** خطـوب بمستكـره نـاحـر
ولكنهـم معشـر بــرزوا *** بعـز رفيـع الـذرى ظاهـر
وسادوا وشادوا وكانت لهـم *** مواقف فـي ملتقـى شاجـر
ونحن بنوهم، علـى نهجهـم *** مشينـا ونمشـي إلـى آخـر
نصـون مفاخـر أحسابـهـم ***بعزم حديـد الشبـا ساهـر
ونحفـظ مـن إرثهـم عـادة *** بإيمـان ذي هـمـة صـابـر
بمثل ” العياشي ” فـي عزمـه *** تسـر المشاعـر مـن ذاكـر
ويقتبس النـور مـن مجـده *** فيمشـي علـى جـدد نائـر
.
لقد ذكرتنـي سـلا صفحـة *** من الحسب الأرفـع الفاخـر
بعـزم بنيـهـا وإقدامـهـم *** تحـدث بالسنـد العـاطـر
تؤلـف فـي مجدنـا حقـبـة *** ستبقى مدى دهـره الداهـر
أتطـوى وأحفادهـم بينـنـا *** على الدرب في موكب سائر ؟
تأسـوا بآبائهـم فـي العلـى *** فلا مـن كسـول ولا سـادر
تنادوا إلـى نهضـة بشـرت *** بيمـن جميـل المنـى وافــر
فتلـك معارفهـم أطلـعـت *** زهـورا بـروض لهـا زاهـر
وتلـك صناعاتهـم تستـبـي *** بفـن بديـع الحلـى ماهـر
وتلك الخطى منهمو أسرعـت *** إلى كـل مستحسـن نـادر
بهمـة ذي نـخـوة صـامـد *** بواجـب تاريـخـه شـاعـر
ومسجدهـم لـم يـزل آيـة *** تذكـر بالـزمـن النـاضـر
زمان الجهاديـن: فـي حلقـة *** من الدرس كالدملـج الدائـر
وفي معرك الحرب إن سعـرت *** بكـل فتـى باسـل ثـائـر
جهـاد تواصـل مستبسـلا *** فليـس بــوان ولا فـاتـر
بـه أمـة أتعبـت دهـرهـا *** وأعيت يد الكاتـب الساطـر
فيا لهف نفسـي علـى حقبـة *** لهـا فرحـة المبهـج السامـر
تـرصـع تاريخـنـا عــزة *** وتبعـث فيـه يـديْ ناشـر
تـرى هـل تعـود بأيـامـه *** مطالـع للفلـك الساخـر ؟
وهل يلحق القـوم أخلافهـم *** أم انقطـع السيـر بالسائـر؟
وهل دربهم لـم يـزل معلمـا *** بصـواه، أم هـو كالداثـر؟
فوأسفـاه ! ويـا حسرتـا ! *** إذا الكسر أعيـا يـد الجابـر
وطال المسـاء علـى ركبنـا *** وبـدد فـي فدفـد شـاغـر
ولكنـنـي آمــلٌ نعـشَـه *** وإن أبطـأ الدهـر بالعـاثـر
ديار سلا طبـت مـن أربـع *** ومن معهـد بالعلـى عامـر
فكم بارك المجد تلـك الربـى *** وكم عمر العلم مـن غامـر
وكم وطئت أرضهـا أرجـل *** تسيـر بهـدي لهـا طـاهـر
ذكرتُ ” ابن عباد ” المرتضـى *** قريـع الدهـور بـلا ناكـر
وبحر التصـوف بـل قطبـه *** ومنـهـل وارده الـصـادر
رسائلـه لـم تــزل آيــة*** وأعجوبـة الـدارس الخابـر
هي الوتر في بابهـا لـم نجـد *** لـه شافعـا ليـس بالقاصـر
صحائفها من سـلا أرسلـت *** إلـى سائـل باحـث سابـر
وكم عالم نـام فـي حضنهـا *** وذي حكمـة شاعـر نـاثـر
وكم من ولـي بـه حصنـت *** من الشؤم والعطـب الجـازر
ولا مثل ” موسى ” بشاطئهـا *** ولا كابـن عاشـر الزاخـر
ولا كابن حسـون فـي تربـة *** ثلاثتهـم بغـيـة الحـائـر
وما أنصف ” ابن الخطيب ” ولا *** رعـى أدب الوافـد الزائـر
تقلـب فـي خيرهـا ناعمـا *** فما كـان بالحامـد الشاكـر
وما قلت مستقصيـا فضلهـا *** فإنـه فـي كثـرة الكـاثـر
ولكنـهـا قـطـرة نــزرة *** وومضـة بـرق إلـى ناظـر
ورنـة شعـر لهـا سـكـرة *** بخمـرة مجـد لـنـا فـائـر
تحيات شعـري إلـى ثغرهـا *** وتاريخهـا المعجـب الساحـر
حديث سـلا شائـق رائـع *** من النمـط المدهـش النـادر
وللشعر من وحيـه سلسـل *** تتابـع كالهـاطـل الهـامـر
فعذرا سلا إن تكـن مدحتـي *** بإيجازهـا نـفـرة النـافـر
فما هـي إلا صـدى هتفـة *** تحييـك مـن عابـر زائــر
جمعية سلا المستقبل