بقلم محمد عبقري
نظمت جمعية سلا المستقبل يوم السبت 23 أكتوبر 2010 انطلاقا من الساعة التاسعة و النصف بمقر عمالة سلا ، بمشاركة مجموعة من الفاعلين الجمعويين بالمدينة، “منتدى” في إطار مشروع برنامج أوروميد التراث
المتوسطي euromed héritage 4 و هو اللقاء الثاني للجمعية تحت شعار” سلا تراث حي”. عرف اللقاء حضور عدة مسؤولين محليين مثل عامل عمالة سلا بالإضافة إلى عمدة المدينة و رئيس جمعية سلا المستقبل وجمعية أبي رقاق، علاوة على أساتذة و أطر تربوية ساهمت في بلورة أفكار تهدف إلى تنمية و تطوير التراث الثقافي السلاوي . في مداخلته التقديمية، أكد السيد اسماعيل العلاوي، رئيس جمعية سلا المستقبل على الدور الفعال الذي يجب أن يضطلع به المجتمع المدني في الحفاظ على التراث والعمل على النهوض به والتعريف بخصائصه. وأضاف على أن “منتدى” يهدف إلى التعريف بالتراث السلاوي ودفع المسؤولين إلى جعل هذا الأخير رافعة للتنمية المحلية. في مداخلة لعمدة المدينة السيد نور الدين الأزرق الذي عبر عن سعاته كون وجود وعي من طرف الجميع ، إذ أن مسؤولية النهوض بالمدينة العتيقة – حسب رأيه – هي مسؤولية الجميع ، فهذا المنتدى جاء في إطار التراث الذي تزخر به المدينة الذي هو ملك مشترك ، غير أنه و لسنوات عديدة نسمع أصداء دراسات و أبحاث تستهدف المدينة ، إلا أن هذه الدراسات و الأبحاث لا توجد على أرض الواقع و ليست جادة في مساعيها ، فالمدينة العتيقة و ما تزخر به تستحق أن تعلن كتراث ثقافي ، خاصة و أننا نلمس المحاولات و الإرادة القوية لمجموعة من المؤسسات تحاول إدماج مدينة الرباط ضمن التراث العالمي فلماذا إذن لا تصبح مدينة سلا ممثلة في اليونسيف كتراث عالمي ؟ يتساءل السيد العمدة ، إنه علينا يقول الأزرق أن نستهدف تغيير المدينة على اعتبار وجود عدة اتفاقيات ، إلا أن هذه الاتفاقيات لا تدعم النهوض الجدري و الكلي للمدينة ، يجب أن تكون هناك سياسات فاعلة من أجل حل مشكلة دور الصفيح “الفنادق”على اعتبار أنها تشكل نقاط سوداء تزيد من تعقيد المشاكل الاجتماعية و الاقتصادية التي تحد من تنافسية المدينة على المستوى الوطني كمدينة عريقة لها أهميتها التاريخية و الثقافية في ماضي المغرب و حاضره ، إذن لا يمكن أن نعمل على تغيير الوضع دون مساندة و مساعدة كل الفاعلين من مواطنين و مهندسين معماريين …حيث أن مساندتهم و مساعدتهم مما لا شك فيه ستكون هادفة و إيجابية و الجماعة يضيف نور الدين الأزرق ستكون رهن إشارة جميع المتدخلين .
أما فيما يتعلق بالسيد رئيس جمعية أبي رقراق و الذي أكد على أن أول المواضيع التي اشتغلت عليها الجمعية هي مسألة المدينة العتيقة و كيف يمكن من خلال ندوات و أعمال و اجتماعات أن تعمل الجمعية في الحفاظ على المآثر التاريخية التي تزخر بها المدينة و تشكل الدعامات الأساسية لهويتها ، ذلك أن الجمعية عملت على تأسيس لجنة التعمير استهدفت التفكير في كيفية معالجة مشاكل هذه المآثر التاريخية ، أكثر من ذلك ، كانت هناك دراسات لإيطاليين استهدفت تكوين و إعادة تأهيل المدينة ، غير كل هذه الأعمال الطموحة لم تجد طريقا لتفعيلها . لقد كانت هناك برامج و مخططات طموحة بالعديد المدن المغربية من ضمنها الدرالبيضاء و على رأسها السيد العمدة ساجد عملت من خلال العديد من الفاعلين الجمعويين و الاقتصاديين بالإضافة إلى المقاطعات و الجماعات المحلية بخلق فضاءات عمل تساعد على الحفاظ على الذاكرة التاريخية للمدينة العتيقة هذه الدينامية لم تكن حبيسة مدينة الدار البيضاء بل مدن أخرى تاريخية كفاس مراكش …. فلماذا إذن لا تكن مدينة سلا فاعلة على باقي المدن الأخرى ؟ يتساءل السيد نور الدين شماعو .إذن من خلال هذا الملتقى هناك مشروع ،هناك فكرة ، و هناك إرادة من أجل الدفع بالمدينة بغية تكسير الروتين الذي تعيشه في مختلف القطاعات ، يجب أن نكون جميعا حاضرين و مهتمين و متابعين لهذا البرنامج ، حيث هناك مجموعة من الفاعلين لهم رغبة و محبة في الرفع من أهمية و دور المدينة العتيقة .
وقد أبرز عدة متدخلين الدور التاريخي لمدينة سلا ، وما كانت تمتلكه من مقومات اقتصادية و ملاحية و رمزية ، بحكم موقعها الاستراتيجي . ذلك أنه و في معرض مداخلة للأستاذ بوشنتوف عن تاريخ موكب الشموع بمدينة سلا أبرز أن هذا موسم تقليد و احتفال ضارب جدوره في عبق التاريخ ، فبعد معركة واد المخازن عزم السلطان عبد المالك المعتصم السعدي إلى جلب الحراف التقليديون من مدن مختلفة من المغرب كفاس ..سلا …مراكش …و عمل على إخبار هؤلاء الحرفيين بصنع دور للشموع بأشكال تعبيرية تعكس رغبة و طموح الشعب المغربي في إضفاء طابع الاحتفالية بيوم المولد النبوي.
و ينطلق الإعداد بصفة موسمية لهذا الاحتفال قبل عيد المولد النبوي بشهور قليلة ، هذا الاهتمام من السلطان عبد المالك المعتصم السعدي لم يكن اعتباطيا أو منطلقا من فراغ ، بل كان متأثرا بالثقافة التركية و الأيبيرية التي كانت متميزة في تلك الفترة ، و قد أتى بمجموعة من الاحتفالات و الطقوس و الملابس من ضفة شمال البحر الأبيض المتوسط .
و لم يكن هذا الاحتفال بموكب الشموع مقتصرا على المغرب فقط -على حد تعبيره – بل يمكن أن نجده في دول متعددة كتونس و مصر، كما يمكن أن نجده أيضا في أوروبا . و لا يمكن لنا بأي حال من الأحوال أن نعتبر هذا الاحتفال تقليد ، بل هو انفتاح على الثقافات و الحضارات الأخرى ، فلماذا إذن مدينة سلا بالضبط هي التي لازالت تحتفل بموكب دور الشموع ؟ هذا التساؤل حقيقة يعكس تشبت مدينة سلا بتراثها التاريخي ، فمدينة فاس هي موطن الأولياء ، و هي في الأصل المدينة الأولى التي كانت تحتفل بدور الشموع – اعتمادا على عدة مصادر – و مراكش أيضا هي الأخرى لم تكن خارجة عن دائرة المدن التي كانت تستضيف مثل هذه الاحتفالات غير أنها انقرضتفي هاتين المدينتين و لم تعد مصدر اهتمام سكان هذه المدن على اعتبارات عدة من أهمها الموقع الجغرافي الذي توجد فيه المدينتان فاس و مراكش ، و باعتبار موقع مدينة سلا الجغرافي و المتميز و الاستراتيجي على السواء المنفتح على البحر و باعتبار أيضا توارث هذه الأجواء الاحتفالية و الطقوس الرمزية من خلال أبرز العائلات السلاوية عائلة شقرون و الحسونيين …كل هذه الأسباب مما لا شك فيه لعبت دورا كبيرا في استمرارية موكب دور الشموع إلى حد الآن .إذن على حد تعبير الأستاذ بوشنتوف ، إنه علينا المحافظة على هذا الجانب التراثي و الثقافي لمدينة سلا على اعتبار الاستثنائية التي من خلالها تتميز المدينة عن باقي المدن المغربية الأخرى ، بل أيضا تطويره ليأخذ أبعادا رمزية و دينية أخرى و هذا الدور منوط بالأسر و العائلات السلاوية التي ساهمت بشكل كبير و فعال في استمرارية و بقاء هذا النوع من الاحتفالات .
مدينة العدوتين لم تكن فقط متميزة بالممارسات الرمزية ، إنها المدينة التي شكلت دينامية حقيقية أيضا في مجال الملاحة البحرية ، واستطاعت التفوق على الأساطيل الأوروبية كما أنها أيضا استطاعت الوصول إلى مستوى الاستقلالية في صنع الأساطيل البحرية و صيانتها علاوة على صنع مختلف الملابس و الأدوات المرتبطة بتجهيز أفراد ، والاستعانة بالوسائل اللوجستيكية مثل الأسطرلاب و البوصلة و المنظار المقرب و الأشرعة … ، لا يخفى على أحد ، يقول الأستاذ محمد فتحة ، كون مدينة سلا هي مدينة القراصنة ، و هذه الصفة لم تكن لتسطع بها المدينة و سكان المدينة لولا الجهد و الدور القيادي الذي كان منوطا بمئات الأفراد من سكان مدينة سلا ، وترجع أولى الأنشطة البحرية للمدينة إلى العصرين المريني و الموحدي حيث و على امتداد هذين العصرين صنعت عدد من السفن الاقتصادية و العسكرية ، ك”القرقورة” و هي سفينة كبيرة لحمل المؤن و البهائم و تتكون من ثلاث طبقات و ثلاث قلاع للدفاع ، و مركب “الشيني” وهو مركب طويل كان يستعمل لحمل المقاتلين ، ثم مركب “الغراب” مجهز بالقلاع و المجاديف ،و مركب آخر يسمى “الطريدة” و يستخدم لحمل الخيول …وأنواع أخرى من المراكب و السفن المتوسطة و الصغيرة . غير أن هذه الدينامية أصبحت تتراجع مع ضعف الدولة بحكم نسيان عوائد البحر و إهمال دار الصناعة ، قبل أن تزدهر مرة أخرى و تتقوى بفعل استعانة السلطان عبد المالك السعدي بالمهاجرين المورسكيين الأندلسيين ، وقد أدى ذلك إلى تضييق الخناق على النصارى و الاستحواذ على غنائم من خلال القرصنة البحرية ، نتائج هجرة الأندلسيين بدت واضحة من خلال المساهمة في تجهيز و صنع المراكب و السفن أسفل حسان ، علاوة على الأموال اللازمة التي كانوا يوفرونها لبناء هذه السفن ، إن هذه الحركية البحرية التي كانت تمتاز بها مدينة سلا كانت تجارة مربحة استمرت لمدة تزيد عن ستين سنة ، هذا النشاط الملاحي – يقول الأستاذ فتحة- كان من الطبيعي أن يتخذ أشكالا تنظيمية للحفاظ على قوته ، فمع و صول العلويين إلى الحكم أصبحت السفن و المراكب تعتمد على “رياس” و “قياد” ، كالرايس عبد الله فنيش، الطاهر و عبد الله و عبد السلام فنيش ، و الرايس الصابونجي ، و الرايس قنديل و معنينو ….، حيث استطاع هؤلاء بالرغم من الهجمات الأوروبية استطاعوا الانتصار في العديد من المواقع في المحيط الأطلنتي و البحر الأبيض ومناطق قرب فرنسا و إنجلترا و البرتغال مكنهم ذلك من عائدات و غنائم ساهمت في ثراء العاملين في هذا القطاع . وقد شكلت سنة 1817 نهاية رسمية للقراصنة و رضوخا قويا للضغوط الهائلة و المتزايدة على المغرب من طرف القوى الأوروبية ، بالإضافة إلى الهجمات العسكرية المتوالية على المدن الساحلية المغربية ، والقصف من قبل أساطيل النمسا و فرنسا ، كما أن توقف المغرب عن صنع السفن و المراكب ، وتلاشي الأخشاب و الآليات المستعملة ، كلها عوامل ساهمت بشكل كبير في تراجع دور المغرب و مدينة سلا على الخصوص في نشاطها الملاحي .
تجدر الإشارة إلى أن هذه الندوة لم تخلو من ردود أفعال إيجابية من طرف الحاضرين، و خصوصا من طرف تلاميذ المؤسسات التعليمية الذين حضروا للقاء، كما أن الندوة اختتمت بوضع برنامج يساهم بشكل جدي في الرقي بالمدينة و تطوير تراثها الثقافي .
جمعية سلا المستقبل