أسيرٌ سابق: أهوالُ مخيمات تندوف تفوق أفلامَ الرعب الأمريكية

أربعٌ وعشرون سنةً من الأسْر بأيّامها ولياليها الطوالِ في مخيّمات تندوف، تحتَ حراسة بنادقِ انفصاليي جبهة "البوليساريو"، رأى فيها محمد المحفوظي، الأسير المغربي السابق لدى "الجبهة"، أهْوالا لم يسبقْ له أنْ رأى مثلها حتى في أفلام الرعب الأمريكية، بحسب تعبيره.

ولخَّصَ المحفوظي ما تعرّض له الأسرى المغاربة في مخيمات تندوف، في لقاء نظمته جمعية "سلا المستقبل" لتقديم كتاب "خبايا 24 سنة في جحيم تندوف" في عبارة واحدة: "الدّاخل إلى المخيّمات مفقود والخارجُ منها مولود"، ويُضيفُ في لحظة استرجاعٍ لشريط الآلام والمعاناة الأسود الذي كانَ أحدَ أبطاله "تندوف منطقة مختلفة تماما عن أيّ بُقعة أخرى في العالم".

ولمْ يستطع الأسير السابق أنْ يُدوّنَ كلّ تفاصيل العذابِ الذي تعرّض له وغيْرُه من الأسرى المغاربة في "المخيّمات"، تلافياً لتذكّر ما حدث، لأنّ استرجاعَ تفاصيل ما حدث خلال تلك السنوات الأربع وعشرين التي قضاها رهْن الأسْر تحت رحمة التعذيب تُوجعُ الذاكرة وتفْتح جراحها المؤلمة، حتّى ولو استرجعها بعد مُضيّ كل هذه السنوات الطويلة.

"مهمَا حَكيت، فلنْ تُدْركوا مَدى العذاب والاستغلال الذي خَضعْنا له خلال تلْك الحقبة"، يقول المحفوظي زامّا شفتيْه تأثّراً، فهُناك، يُردف المتحدث، مُورستْ على الأسرى المغاربة كلّ أنواع الانتهاكات دونَ حسيبٍ أوْ رقيبٍ، منْ طرفِ انفصاليي الجبهة، مدعومين بالجزائر، تِلْك الدولة التي صارَ المحفوظي يرَى نظامها بنظرة ملْؤها الحقد.

ويرْوي المتحدّث أنَّ ما كانَ شاهداً عليه من العذاب المُهين الذي طالَ الأسرى المغاربة في مخيمات تندوف لسنوات طويلة، وما كانَ يسمعه ويراه، جعله يقتنع أنّ النظامَ الجزائري يُضْمرُ للمغرب "حقدا لا مثيل له"، ويرْفعُ صوتَه المشحونَ بالغضب ليرُدّ على الخطاب "الدبلوماسي" الرسمي والشعبي المتبادل بين الجاريْن "باركا علينا من أشقاء.. أشقّاء...".

ويْعني المحفوظي بكلامه النظامَ الجزائري، وليس شعبَ الجارة الشرقية للمملكة، فهذا النظام، يحكي المحفوظي، من خلال ما عاشه وعاينه داخل المخيّمات، لا يكفّ عنْ محاولاته الدّنيئة تجاهَ المغرب، ويرَى المتحدّث أنّ العدوّ الحقيقي للوحدة الترابية للمغرب ليسَ أولائك الصحراويين المحتجزين في مخيّمات تندوف، وإنّما النظامُ الجزائري.

ويُقدّم الأسير السابق من خلال صفحات كتاب "خبايا 24 سنة في جحيم تندوف"، مشاهدَ من المعاناة اليومية التي يتجرّعها الصحراويون المحتجزون في مخيمات تندوف منذ عقود، وكيْفَ أنّ قادة جبهة "البوليساريو" جنوْا أموالا طائلة على حسابِ معاناتهم، فالمساعدات الموجّهة إليهم من المنتظم الدولي بَدل أنْ تصل إلى المخيّمات يتمّ تحريف مسارها لتُباعَ في الأسواق، فيتضوّر المحتجزون جوعا وتنتفخُ أرصدة قادة "الجبهة" بالأموال.

ويُخاطبُ المحفوظي من حضَر إلى لقاء تقديم كتابه: "إذا كنتمْ، ونحنُ في رمضان وفي عزّ الصيف، تملكون في بيوتكم ما يُخوّل لكم العيش في راحة، فإنّ الصحراويين في مخيمات تندوف كايْتشواوْ تحت الخيام، ولا يملكون مكيّفات هواء ولا ثلاجات، ويشربون الماء الساخن، وأقْصى ما يُمكن أنْ يفعلوه لتخفيف وطأة المعاناة، هو أنّهم يُبرّدون الماء في قنينات ملفوفة بقطع قُماش".

ويُزيحُ الحديثَ عن "التصرفات الهمجية في حقّ الأسرى المغاربة" جانبا، ويتحدث عن معاناة الصحراويين المحتجزين في المخيمات، راويا كيْف تُوزّع عليهم المساعدات الإنسانية بـ"الغْرام"، فلا يتعدّى ما تحصل عليه كلّ أسرة من الأسر الصحراوية هناك في الشهر 700 غْرام من الزيت، وكيلو عدس أو فاصوليا، وكيلوغرامين أو ثلاثةً من السكّر وحُفنةِ شاي.

ويتحدّث المحفوظي عن المرأة الصحراوية، المعروفة بعزّة النفس، وكيْفَ أنّ قادة جبهة "البوليساريو" يضعون كرامتها تحْتَ أحذيتهم، ويدُوسون عليها، قائلا "المرأة الصحراوية تُمتهنُ كرامتها حينَ تذهبُ لتوسّل المساعدات، والتي قد لا تتعدّى حُفنة شاي"، ويلخّص المحفوظي معاناة الصحراويين في المخيمات في عبارة واحدة "إنهم يُعانون في صمْت رهيب"، قبْل أن يضع للمشهد برُمّته عنوانا دالّا: "جحيم تندوف".

وبعْد العودة إلى أرض الوطن بعْد قضاء أربع وعشرين سنة رهْن الأسْر في مخيّمات تندوف، وجَدَ المحفوظي وزُملاؤه الأسرى أنفسهم وسطَ دوّامة من المعاناة لا تنتهي، فلئنْ كانتْ جلُودهم قد ارتاحتْ منْ سيَاط جلّاديهم على كُثبان الصحراء الملتهبة، إلّا أنّ العودة إلى الوطن لمْ تكنْ سوى انغماسٍ في معاناةٍ من نوع آخر، معاناة معنوية واجتماعية، عنوانها "الإهمال والتهميش".

يحكي المحفوظي بسُخرية ممزوجة بالألم: "بعْد اعتناق الحُريّة، اعتقدْنا أننا سنُستقبلُ بالورود، لكننا اصطدمْنا بواقع آخر...". أرادَ أن يَضيف كلماتٍ أخْرى، ويُفْصح عمّا يُخالجُ صدره جرّاء النكران الذي لقيَه بَدَلَ العرفان، لكنّ الكلمات خانتْه، فصمت لبُرهة، وحينَ استرجعَ رباطة جأشه أضاف، كمنْ يكْتبُ آخرَ أمنيّة: "ذهبْنا إلى الصحراء ونحن في ريعان الشباب، واليوم تقدّم بنا العُمر، ونحنُ بحاجة إلى منْ يشدّ بأيْدينا".

ويؤاخذُ الأسير السابق على الإعلام عدمَ تسليط ما يكفي من الأضواء الكاشفة عن معاناة الأسرى المغاربة الذين ذاقوا مرارَة التعذيب في مخيمات تندوف لسنوات طوال، "الإعلامُ في بلدنا تحدّث عن التعذيب في أبو غريب وغوانتانامو، بيْنما لمْ تُعْطَ الأهمية لقضيّتنا نحن"، يلوم المحفوظي الإعلام المغربي. وعلى الرّغم من التهميش والإهمال، إلّا أنَّ قناعته بنُبْل المهمّة التي أدّاها وإيمانه بها، ما زالت راسخة، ويختم قائلا "رغم كل شيء، ما زلْنا مستعدّين لحمْل السلاح ودحْر أعداء الوطن".

هسبريس - محمد الراجي (صور منير امحيمدات)

 

 

معنينو يتحدث عن دار البارود بسلا

مع عبد الرحمان الموذني

تكريم فعاليات نسائية رائدة

تكريم نساء رائدات

الرهانات الثقافية بالمغرب