الرئيسية » آراء ومواقف » وجهة نظر في مواجهة جائحة كورونا..تتمة

وجهة نظر في مواجهة جائحة كورونا..تتمة

بقلم الأستاذ  سعيد الرهوني

المحاولة رقم 6

كأن الجائحة COVID19 ….تغسل وجه العالم …من أقنعته ومساحيقه وعجرفته وغروره…تنقشع رويدا رويدا، عن المشهد والشاشات..الغشاوات والأوهام المخادعة والماكرة..ويستعيد الإنسان الفرد..كل إنسان فرد ….فرادته المفقودة و وزنه واتزانه ، في سياق خاص وفريد، يؤثثه حلول زمن الحجر الصحي و(العزل الذاتي ) الذي ننسى الإشارة إليه، باعتبارهما متلازمان، إلى حين أن يثبت التحليل البيولوجي ،عدم الإصابة بالفيروس اللعين…لذلك، كم يبدو ثنائي الحجر والعزل اكتشافا جديدا لشخصيتنا ووجداننا و مشاعرنا وهواجسنا وكوابيسنا وأحلامنا، وكل مايرمز إلى جذور إنسانية الانسان… وسمو الروح…وعراقة الجذور والذاكرة وشغف الحياة؛ رغم  هول الجائحة، التي لاتبشرنا:  بغير  إحياء عقدة الخوف الرهيبة، و العميقة في النفس البشرية؛

إن القيمة الأساسية لهذه اللحظة التاريخية الفريدة، هي توحد البشر  عبر العالم ، باختلاف إثنياتهم وثقافاتهم وعقائدهم في نفس الشعور والإحساس، في ظل مواجهتنا جماعيا وكل لحظة وبفاتورة باهضة، نفس الفيروس اللعين العدو للإنسان، باعتبار  الانسان نوعا في تطور و تنوع الطبيعة،  و سنن خلق الله في كونه الفسيح؛

في هذه اللحظات، نتقاسم جميعا نفس الخفقان في الوجدان، بنبض دقات القلب والساعة والزمن…تغمرنا تقريبا جميعا نفس الأحاسيس المنبعثة من هذا الصمت الصاخب ، والسكون الرهيب الذي يلف العالم؛ حيث فجأة، ودون سابق إنذار، خمدت وخرست الضوضاء والفرجة والزهو بالامتلاك والتخمة والضجيج الفاقع الألوان…تحول نهار العالم إلى ليل لا ينتهي، وفقد الزمن المعنى والحركة بعدما سيطر الخوف والجزع والرعب من هول الموت، دون وداع لائق، على تلابيب مخيلة البشر عبر الكوكب الأزرق، السابح في ملكوت الكون البديع والغامض؛
ولا أجد وصفا لحالنا في الحجر والعزل ، أبلغ من حكمة الشاعر / الشهيد والصوفي( أرثير رامبو الفرنسي) ،في مرثيته الرائعة (فصل في الجحيم Une saison en enfer) : « لاتقل معركة النفس عن معركة البشر وحشية، لكن رؤية العدالة متعة الله وحده. » لذلك علينا أن نتسلح في حجرنا وعزلنا الذاتي  الضروريين،بطاقة تحمل وجلد وصمود… وصبر جميل لا يخيب، علنا نثبت لذواتنا وللعالم جدارتنا برفع تحدي دحر وسحق أشرس عدو  فيروسي مجهري للإنسانية منذ بداية الخلق؛ فهل نكون في مستوى اللحظة وفروضها؛ وحده الغد يحمل الحقيقة، لكن لا بأس أن نغترف من نورانية المعرفة والعلم والحكمة، كخاصية للنوع الانساني، ونتأمل عميقا معاني مقولة فردريك  إنجلز في (المراسلات )الفذة مع ماركس: (إن التاريخ هو  الأكثر قسوة بين كل معتقداتنا، وهو يقود عربته المظفرة فوق أكوام الجثث، ليس في الحرب فقط، بل وإبان التقدم الاقتصادي  السلمي، ونحن الرجال والنساء، أغبياء لسوء الحظ، لأننا لا نستجمع الشجاعة الضرورية للتقدم الحقيقي أبدا، إلا إذا حفزتنا إلى ذلك، الآلام التي تبدو فائقة لكل وصف تقريبا.)

ولأن البشرية كونيا  تعاني جماعيا من نفس آلام وأعباء وأهوال كابوس الجائحة، فإن القدرة الإنسانية البطولية ، على هزم الجائحة لا يمكن أن تنجح وتنتصر، إلا بمقاربة كونية جماعية وتشاركية وتضامنية لأمن الإنسان ، كل إنسان كنوع في الطبيعة، بأفق تعاقد شفاف ومسؤول وملزم حول ميثاق أمني كوني ، شامل لأبعاد الأمن الإنساني، الذي أهملته، بعنهجية بليدة ، حضارة تقديس منطق  السوق والفرجة والترفيه والتشييء ، المبخس لقيمة ومكانة الإنسان في الكون، وحقه المقدس في الأمن والحماية والتحرر من الخوف والحاجة، كقضية مصيرية، تمثل القلب النابض لمقاربة الأمن الإنساني، التي ظلت خافتة ومخنوقة  في  أدبيات الأمم المتحدة، رغم اعتمادها رسميا مع بداية الألفية الثالثة؛
تقدمنا نحو اعتماد منظومة أمن كوني، وحده الجواب على إشكالية: ( الحالة الصفر لنقل العدوى)القابلة للتكرار حتى الفناء، ما لم نأخذ زمام المبادرة، ونعتبر كلا منا مسؤولا افتراضيا عن أمن وسلامة النوع البشري، بدءا من الحالة الصفر بووهان، التي كتب لها أن تقض مضجع الحياة، حتى إشعار آخر؟

فهل سندع الصمت يخنقنا، أم نرتقي إلى تحدي حكمة العبقري سبينوزا: ( الزمن ليس حقيقة موضوعية، بل طريقة تفكير.)

وجهة نظر في مواجهة جائحة كورونا…المحاولة رقم 7.

تتشكل في مخاضات وأحشاء جائحة COVID 19 ، إرهاصات ثورة تربوية وثقافية وأمنية كونية و مشتركة، بتفاوتات نسبية بين الأنماط الحضارية والنماذج الاجتماعية، و مسافات الصراع والسيطرة والنفوذ بين الشرق والغرب؛ نستقبل جماعيا نمط حياة (غرائبي) عنا…. تتهاوى فيه صروح كل الأقانيم النظرية والعقدية والمسلمات والبديهيات والقوانين الوضعية التي  حكمت علاقة الفرد بالجماعة، والمجتمع بالدولة، والأمم فيما بينها، وعلاقة الدول  بالمؤسسات الدولية والأمميةالمتمخضة عن عصر مابعد الحرب العالمية الثانية، والمسؤولة عن استتباب الأمن والسلام الدولي؛

وضمن هذه الكلية فقد مفهوم الحرية و التعايش والاندماج  والأمن التقليدي المتصل بالردع والحدود ، جدواه وفاعليته ، وربما لسنين وعقود قادمة..، بعدما (ابتليت ) البشرية بالجائحة اللعينة، التي لازالت حتى اليوم، ولأجل غير معلوم،تتحدى العلم والنبوغ والذكاء الإنساني، حاصدة كل يوم ماتشاء من الأرواح ، ومتربصة بكل مكان يتحرك فيه الناس، بينما ينحشر الضمير العالمي في زاوية ضيقة للتأسي والانزواء وانتظار الآتي…اللا مرتقب.
اليوم، نواجه جميعا كبشر، سؤال الحق المقدس في الحياة، بمدخل الحق في الأمن والرعاية والحماية والسلامة الجسدية ، كسؤال استراتيجي، تتفرع عنه الأجوبة التي ستحملها الثورة التربوية والثقافية والأمنية والسلوكية اللازمة لتجديد علاقة الإنسان بذاته و بالآخر، وبالمجتمع والدولة ،و كذلك بالطبيعة والكون والوجود، في تجاوز ضروري ومطلوب لكل الطوبات الأخلاقية التقليدية والتبشيرية ومنظومة قوانين وآليات الاجتماع والاختلاط والاندماج الكونية،فاقدة الصلاحية؛
لقد كف مفهوم الحرية الجوهري والمؤطر للحضارة العصرية…عن إقناع العالم، بعدما قادنا نحو كارثة الجائحة الفتاكة، التي تنتشي بتحررها اللامحدود …عبر كل  الأمكنة والحدود،  كانسة وهم جبروت الإنسان، وخرافة الأمن بقوة الردع…و المنطق البئيس لأسبقية السوق والمال والثروة والقوة على الإنسان…

ثورتنا التربوية والثقافية و الأمنية، يجب أن تستحضر عميقا تحملات وأعباء وضعية الحجر والعزل الذاتي ، لتعيد صياغة مكونات هندسة أو خوارزمية تمثل منظومة ( الإنسان) ، كاكتشاف مغاير للمعنى التقليدي السابق،الذي فتكت به الجائحة: بجذر  الإنسان الفرد الفريد، دون تماهي في الآخر؛ بمعنى كيف سيكون بمقدورنا تعزيز كفايات ومهارات استقلالية ومسؤولية الإنسان، كل إنسان، اتجاه نفسه، واتجاه الغير، باحترام لحقوق الآخرين واعتراف متبادل، و حرص على تأمين العيش والمصير المشترك وتغليب الصالح العام ، حتى يتأهل قيميا وسلوكيا لمواطنة كونية ملتزمة ومسؤولة ومتكافئة ومشاركة، كحد أدنى للجدارة بالحياة….
ثورتنا في المجال الأمني، تفرض علينا اعتبار الأمن أولوية وجودية وحياتية، تمثل الخط الفاصل بين الحياة والموت، وبين النظام والفوضى ، بتمثل نير لأبعاد مقاربة الأمن الإنساني الشاملة للأمن الصحي (المستوعب للجوائح) ، و كذا الأمن الشخصي والغذائي والاقتصادي والبيئي، ويكفي الرجوع إلى أدبيات مدرسة كوبنهاغن الأمنية، كوريثة لمدرسة فرنكفورت العتيدة، المؤسسة لتفكير عقل عصر مابعد الحداثة، حتى نكتشف أعطاب سلطة القرار الأمني الدولي، علما أن مدرسة Abery Sthwyt الويلزية الأمنية الملهمة، تمثلت الأمن كعلم أخلاق عالمي جديد، يحقق مطلب الجميع، عبر العالم ،دون تمييز أو إقصاء في الأمن كجوهر إنساني.

ولأنه لازال للحديث بقية، أختتم هذه المحاولة، بنص أدبي  لشاعر أمانيا البديع غوته في رائعته ( فاوست)،نص  يختزل ويختزن بعضامن معاني الإنسان… الذي يسكن إنسانيتي:

” إنه  لا الامتلاك، ولا السلطة، ولا الإشباع الحسي ، يمكن أن يحقق رغبة الإنسان في إكساب حياته معنى، إنه يظل في كل هذه الحالات منفصلا عن الوجود، أي غير سعيد، فمن خلال كونه فعالا إنتاجيا، يستطيع الإنسان أن يعطي لحياته معنى، وفيما هو يستمتع بالحياة، لا يكون مشدودا إليها بالطمع، إنه ينبذ الجشع للامتلاك، إنه يكون متميزا بكينونته: إنه ممتلئ لأنه فارغ، إنه كبير… لأنه لا يمتلك إلا القليل”.)

وجهة نظر في مواجهة جائحة كورونا..المحاولة رقم 8

لازالت لهذه المحاولات بقية، ما ظلت وضعية الحجر الصحي ضرورية والزامية ، في مواجهة كابوس لعين، يجثم على صدر الانسانية جمعاء، ويفتك بالأرواح، كل يوم ، (تغمدهم الله جميعا، بواسع رحمته ورضوانه)، بصمت……. وبعجز بشري منقطع النظير  عن سبر أغوار، وفك طلاسم ،شيفرة  فيروس مجهري غامض،Mystérieux ، بتعبير الرئيس الفرنسي Emmanuel Macron في خطابه الأخير للفرنسيين؛

ولأنني ، كنت منشغلا، بتدوين أوراق من ذاكرة مداخلتي في ڤيينا أواخر أكتوبر  2014، فقد أتاحت لي ذاكرة ووجدان المداخلة، استرجاع لحظة غزيرة، في تجربتي المهنية وشخصيتي القيمية، عندما كان علي في مداخلتي باللغة العربية الفصحى في قصر هلفبورغ في ڤيينا النمساوية….والمسيحية حتى النخاع، أن أقنع العالم، بأن الإسلام ليس دين تطرف وتوحش وإرهاب ،كما يعتقد الكثيرون في الغرب، ولإثبات ذلك، ذكرت في سياق مداخلتي : ( أن الله ، سبحانه وتعالى،حين اختار أن يخاطب نبيه المصطفى الأمين، قبل خمسة عشر قرنا من الآن، كانت أمامه آلاف الكلمات والمفردات لاستعمالها والتوجيه بها، لكنه اختار ، بحكمته المطلقة، كلمة واحدة، مفردة واحدة، واعتبرها أمره الأول والنهائي، ( إقرأ أيها الانسان) وذكر الانسان ( الذي لم يعرفه أحد آنذاك ) مرتين في هذه الآية القصيرة، واختتم الآية الأولى لكتابه المقدس، بأعظم حكمة في التاريخ،( وعلم الإنسان، ما لم يعلم)، التي تشكل اليوم جوهر الثورة المعرفية الكونية التي يشهدها العالم، بالوزن الهائل لمؤسسة ( غوغل) وشبيهاتها في تعليم الانسان ما لا يعلم، وبالموقع المحوري لهذه الحكمة الربانية، في البراديغم الهيغلي الجبار، المؤسس للدولة والحضارة الحديثة( العقل سيد العالم، هذا فرض، وهو الفرض الوحيد في فلسفة التاريخ، والدولة حلول العقل في التاريخ، وغاية الدولة  تحرير طاقات الانسان، ونشدان الانسانية مملكة المعرفة المطلقة،) التي يؤكدها القانون الرباني الجامع: :(وعلم الإنسان مالم يعلم،) ؛ هذا القانون المصيري الأبعاد،  الذي يشكل من جديد ، كظلمات للجائحة اللعينة، تحديا حاسما لحق الإنسان في البقاء كنوع، وكخليفة لله في الأرض، التي تمثلها كرتنا الزرقاء السابحة في الكون الفسيح والغامض؟

لذلك حاجتنا اليوم ، أشد ما تكون ، إلى “قراءة” إلزامية  متجددة وثاقبة أيضا،  للواقع الجديد الذي خلفته الجائحة اللعينة، قراءة تستلهم مكانة العلم المركزية في حياتنا، ( وأخرجناهم من الظلمات إلى النور، صدق الله العظيم)،

نحتاج إلى تجديد علاقتنا وجوديا ومعرفيا وروحيا  بديننا الحنيف، كأمر رباني مطلق بالعلم، يسكن ويلبس وجودنا، كل لحظة، حتى نستحق إيماننا المدرك لعظمة رسالة الإسلام، ونورانيته وإنسانيته الجذرية، التي خاطب عبرها الله سبحانه وتعالى نبيه المصطفى الأمين.

وحاجتنا اليوم أكثر ، لجعل “أمننا” في القلب النابض لعلمنا بلحظة الجائحة اللعينة وتبعاتها وتحملاتها ، فكل منا ، عبر العالم، مسؤول ، وبشكل شخصي وفردي عن أمنه، وأمن الآخرين، وفي كتاب الله العربي المقدس، علاقة لغوية وسيملوجية وثيقة بين الإيمان والأمن،  لاتوجد في باقي اللغات، مما يدل على عبقرية لغوية وقيمية، ظلت معتمة ومهمشة  في الخطاب الفقهي الطقوسي للأسف؟ ولو أن الله سبحانه وتعالى، يمهرها في كتابه الحكيم بآية جبارة وباهرة:( الذين آمنوا، ولم يلبسوا إيمانهم بظلم، أولئك لهم الأمن، وهم مهتدون.صدق الله العظيم.) ومن فواجع الظلم اليوم،الذي نهى عنه الله سبحانه، واعتبره نقيضا للأمن،  أن نستهين بالجائحة، ونجعل أنفسنا وقودها،بانتهاك الحضر الصحي الإلزامي، و حتى لا نفتك بحقنا المقدس الشخصي والجماعي في الأمن و صيانة المصير المشترك.

ربما يغلب على محاولتي الثامنة، طابع روحاني أكثر، لكنه أساسي وجوهري في علاقتنا بالمقدس، الذي يحمينا من العدم ، ومن الجزع والخوف ، ويكرس أمننا الروحي والانساني، بقدر ما يسند  ثباتنا وصمودنا وبطولتنا الجماعية في مواجهة الجائحة اللعينة؛ 
فالله جل جلاله أولا وأخيرا، ملك جماعي للإنسان، كل إنسان مؤمن، بقدر ما يعتبره هيغل بعمق فلسفي لايحد: روح الكون.

أختتم المحاولة ، بإهداء معرفي مبهر  في نظري ،  لمعنى “الدين” عند ماركس الشاب، حين يدون في مخطوطاته :

( إن الدين هو النظرية الشاملة للعالم، حصيلته في صورة شعبية،  نقطة شرفه الروحية، حماسته، مرسومه الأخلاقي، تتمته الاحتفالية،  أساس تعزيته، وتبريره الكوني.)

ولازال للحديث بقية.

وجهة نظر..في مواجهة جائحة كورونا..المحاولة رقم 9

اختتمت محاولتي السابقة، بمقولة جامعة لماركس، أعتبرها أكبر تكثيف لمعنى الدين في حياتنا المشتركة،حين يؤكد :   (أن الدين هو النظرية الشاملة للعالم، ونقطة شرفه الروحية، وعنوان حماسته، ومرسومه الأخلاقي، وتتمته الاحتفالية، وأساس تعزيته، وتبريره الكوني) ، ولم يخطئ فقيه المغرب الكبير، والعلامة النابغة الجليل ، والسياسي اللامع (علال الفاسي)، رحمة الله الواسعة عليه ورضوانه،حينما قال قولته الشهيرة: (لم يكن ينقص ماركس، سوى أن يشهر إسلامه،)  فمن الأكيد أن هذا التعريف، يصدق على رسالة  الإسلام، أكثر من الديانات التوحيدية السابقة عن الإسلام؛  حيث تمحور الكتاب الأول” الثوراة ” ، حول نبوءة شعب الله المختار، وموسى عليه السلام، كليم الله، وأنبياء كثر، يصعب حصرهم؛  فيما تماهت الديانة المسيحية مع مأساة السيد المسيح و(الثالوث المقدس)؛  بينما نجد في المقابل، أن عظمة كتاب الله : القرآن، قد تأسست على اكتشاف جديد محوره:  “الإنسان”، كل إنسان،بأمر الله الصريح والصارم للإنسان، في سورة إقرأ الخارقة لكل ذكاء سابق:  بالمعرفة والعلم، كحماية ربانية  جوهرية لإنسانية الإنسان. ولمكانته كخليفة لله في الأرض، طوقها الله سبحانه بالكثير من التنبيهات والضوابط والتحديات، بقدر ما تركها مفتوحة للتاريخ و للتدافع ، وللكدح على الأرض.!

ولأني أعتبر أن العلاقة بكتاب الله، علاقة حية نابضة، متواصلة ومتجددة وعالية التعقيد، باعتبارها معرفة متعالية ،تتجاوز الذكاء البشري العادي ، وعطفا على مانعانيه كإنسانية من الجائحة اللعينة، ومن أجل تقاسم المعرفة ، و تعميم الفائدة ، فقد كنت في نقاشاتي العديدة ، مع أصدقائي في الحساسيات الإسلامية، أثير مرارا ، الغموض الكبير، الذي يتخفى في قول إبليس لله سبحانه في الآية 62 من سورة الإسراء: ( أرأيتك هذا الذي كرمت علي، لأحتنكن ذريته إلا قليلا…) وبمقدار ما يصعب نطق كلمة ( لأحتنكن) شفويا، يخلو منها قاموسنا اللغوي والنحوي والتواصلي والشعري، بشكل غريب، وتظل مبهمة في المخيال الشعبي الديني، رغم أنها تؤطر تحديا من إبليس للإنسان، استحق الحياة بمشيئة الله: ( لئن نظرتني، بجواب الله سبحانه وتعالى: إني لناظرك إلى يوم الدين) .

وحينما نبحث في التفاسير الفقهية الموثوقة، عن معنى كلمة: لأحتنكن، نجد هذا الفعل ،بدهشتنا المعرفية الصارخة: أشمل تعريف لغوي يختصر ابتلاءنا بالجائحة اللعينة، حيث يعرفه ( الطبري) كما يلي: (لأستولين عليهم، ولأستأصلنهم)؛ ولم يسبق للبشرية، أن كانت أقرب إلى وضعية وجحيم * الاحتناك*  منها اليوم،الاحتناك العصري المعولم الذي خلفه اكتساح نمط العولمة القائم،بمدنيته الشيطانية الجارفة لكل القيم الإنسانية النبيلة، التي ربطها إبليس كدرس لنا ب:  (غواية الإنسان)…و التي تكثفها قولة إبليس في سورة الحجر : (قال رب، بما أغويتني، لأزينن لهم في الأرض، و لأغوينهم أجمعين…) ، وفي هذا القول القرآني، الكثير من التحدي الواقعي والفعلي والتاريخي القادم ؟؟باستدرار  إبليس علنيا لقوة القسم بالله: (فبعزتك)؟

كذلك، يمكم أن نكتشف، وبانتقائية مركزة، مدى قصور معرفتنا بخبايا وأسرار كتاب الله الكثيرة، داخل التاريخ الحي الذي نعيشه، وبعيدا عن الدجل الفقهي والطقوسي والشعوذة المقيتة باسم الدين، التي استباحها الجهل الملتف ككابوس، على وعي المسلمين، وحولهم إلى قطيع جاهل وغوغائي لاغير.؟

لا أدعي القدرة على تقديم إجابات فقهية أو عقلانية موثوقة،  لهذه القضايا الشائكة والعسيرة المتخفية على اهتمام وإدراك  العقل البشري، قبل الجائحة؛ لكني متأكد أننا بصدد تدشين نقلة ضرورية في وعينا الجماعي المدني والديني، نقلة يجب أن تمتح من نور العقل والفكر والحق والحكمة والتواضع كإنسان، في فرديتنا وهشاشتنا Vulnérabilité ، نقلة نوعية واعية ، تتخلص بإصرار و مثابرة و حزم،  من وطأة الطقوسية الدينية الميكانيكية والمظهرية الكسولة و المخادعة، التي أثثت سابقا علاقتنا بديننا الحنيف، بدليل التنكر الجماعي تقريبا للمسلمين، بالجهل المتفشي فيهم ،لأمر الله الأول : (إقرأ أيها الإنسان، وعلم الإنسان ما لم يعلم.)

هي لحظة فريدة،  نتقاسمها أجمعين، في حجرنا الصحي الضروري، لإعادة تفكير يقينياتنا ومسلماتنا وبديهياتنا ، واستثمار  الفرصة التاريخية الملهمة، والخارقة للمألوف، التي يتيحها أفق النموذج التنموي الجديد، كإرادة ملكية حكيمة واستباقية، للقطع مع ترهل واستنفاذ النموذج القائم  لجدواه وصلاحيته؛ وهو النقاش الاستراتيجي الذي نستشرفه،  كإبداع حضاري جديد لشخصيتنا الوطنية والقيمية والإنسانية، و كرافعة لبلورة تعاقد تشاركي وطني، حول أولوياتنا ومنظومة عيشنا المشترك، وعلاقتنا بذواتنا وبالعالم، الذي “يحتنك” إيماننا، ومواطنتنا الكونية، التي تحتاج إلى وعي تربوي وأخلاقي وفكري وسلوكي جديد، يعبر بنا نحو عالم أفضل وأكثر أمانا وتضامنا وإنسانية  عن السابق.!

وجمعة مباركة للجميع، مشفوعة بالأمل في تضامننا ووحدتنا وتضحيتنا الجماعية، لصيانة الحق المقدس في الأمن والحياة وكرامة الإنسان… والله ولي التوفيق.

وجهة نظر، في مواجهة جائحة كورونا.. المحاولة رقم 10

لگوگل Google في عصرنا…نبوغ لايضاهى، يستحق بسببه أن يتربع على عرش أغنى مؤسسات العالم، لأنه يمثل التطبيق التقني الجبار المفتوح بسرعة الضوء، لتعليمنا كل ما لا نعلم، في تشريف إنساني وعلمي باهر لأمر الله الأول في القرآن، الذي اختتم به سورة إقرأ الإعجازية: (وعلم الإنسان مالم يعلم)، ليفتح للعالم بوابة (مملكة المعرفة المطلقة ) بالتعبير الهيغلي في أطروحاته حول ( فلسفة التاريخ)، وأستعير هنا قول نابغتنا المغربي عبد الكبير الخطيبي في كتابه الملهم: النقذ المزدوج: إن الغرب سائر نحو هيمنة شاملة،، وقد أسس هيغل هذا السر ، في ( مملكة المعرفة المطلقة)، ويمكن القول أن فكر هيغل يعبر عالم نظره الثاقب، كسر أسطوري؟.

أن نتعلم ما لا نعلم، شعار يمكن أن يؤطر مواجهتنا للجائحة، ويؤمن حجرنا الصحي الضروري والإلزامي، ونحن على أبواب شهر رمضان الكريم، الذي أنزل الله فيه القرآن، وآيته العظمى: إقرأ أيها الإنسان ، بقدر ما تتحدى الجائحة الذكاء البشري، يجب أن تشحذ ذكاءنا ونبوغنا وامتثالنا لإمر الله الأول، بتواضع لله سبحانه،  و بنهم متدفق منا للمعرفة، كاكتساب جديد لنور العقل، وللبيان، الذي علمه الله للإنسان( علمه البيان)، وما أدراك ما بلوغ البيان الرباني؟ حتى نتعلم التواضع حقا، في حضرة الله، روح الكون العظيمة ، (حسب هيغل) ،الذي  لا يكف عن التمدد، وفق قوانين الفيزياء الحديثة.

إننا بحاجة ماسة، لكي نتعلم أكثر ، ما لا نعلم، في هذه الظرفية الانتقالية الحساسة من تاريخنا، كمجموعة وطنية، حتى نتعلم كيف نتعايش معا، بعد الانفلات من كابوس الجائحة، فحياتنا لن تعود لتكرار  حياتنا السابقة، على الأقل حتى اكتشاف/ اختراع اللقاح الصالح لحماية البشر، وسيكون علينا أن نتخلى عن قاعدة ذهبية نظمت عيشنا سابقا هي : التجمع والاختلاط والاندماج في الحشود، بكل الشحنات النفسية والعاطفية والوجدانية والاجتماعية والكوكبية، التي كانت تمنحها لتوازننا وحبورنا ومرحنا وإنسانيتنا، سندشن مرحلة جديدة، عنوانها : التباعد الاجتماعي، والميتر Le Mètre الحسابي  بين بعضنا البعض، على الأقل في الفضاءات العمومية، وعلى مستوى كوني، حتى نحرم الوباء من اللعين من واسطة الانتقال القاتل بين البشر……ستفقد المصافحة والقبلة والضم والعناق معانيهم ورموزهم في حياتنا، لصالح تعبيرات ورموز جديدة، علينا التوافق حولها، واستلهام تجارب الشعوب، خاصة الشرقية منها، التي تؤمن بقدسية الجسد، وحرمته من أي اعتلال خارجي عنه، كأساس وكقاعدة صحية متوافق عليها وإلزامية : لعدم المصافحة، والاكتفاء بضم اليدين إلى الصدر والانحناء للآخر عند السلام، ولعمري إنه تقليد حكيم، يستحق ضمن رموز أخرى ، التفكر والتعلم والاكتساب، بالنسبة لنا كهوية حضارية عريقة وملهمة للعالم، نحتاج في إطارها اليوم إلى إبداع قواسم جديدة للعيش المشترك، تنسجها رموز وعلامات وقواعد تعامل وتواصل جديدة ومختلفة عن السابق، كمنظومة عيش مشترك وكسلوك اجتماعي، يرتقي إلى مستوى التحدي الوجودي الذي نواجهه كشعب ، وكوطن،و كدولة سيدة عتيدة، وكإنسانية تتقاسم نفس الهموم والتهديدات والمخاطر، في نفس الوقت….

إننا على أبواب تشبيك كوني وسلوكي  لهوياتنا الخاصة، علينا ضمنه أن نشكل سلسلة واحدة، تحمي حق كل منا في الأمن والسلامة الجسدية و أساسا من الجوائح اللعينة، التي لا ندري ولانعلم عنها إلا القليل؟ واستشرافا لأفق هذه الهوية الجديدة الشبكية الأبعاد كونيا، أختتم محاولتي بمقولة حكيمة للمفكر اللبناني اللامع( علي حرب) من كتابه القيم : (المصالح والبصائر، صناعة الحياة المشتركة)، مقولة تستحق التأمل والتفكر والاستيعاب، حين يقول:

الأجدى التعامل مع الهوية، بوصفها نسبية وصيرورة متحولة، بقدر ماهي حيوية وجودية، مفتوحة على الآخر والحدث والعالم، فالهوية المركبة مصدر غنى وقوة وتجدد، بقدر ما تنقذنا من التعصب والانغلاق والتطرف……بهذا المعنى، فإن هوياتنا ليست وراءنا، وإنما هي ما لم نكنه بعد( بضم الكاف)، بقدر ماهي طاقتنا على  الإبداع والتحول، على سبيل التجديد والتطوير والتحسين.

تحية تقدير واحترام واعتزاز، بتفاني وتضحيات واستبسال السلطات العمومية والمؤسسات الصحية والكوادر الطبية وشبه الطبية والصيدلية ، والقطاعات الحيوية العاملة دون انقطاع، حتى تحفظ حق المغاربة وضيوفهم في الأمن الصحي والإنساني ، اللازم لاستمرار النوع البشري.

شاهد أيضاً

Communication of Sala MoustaqbalAssociation

On Tuesday, 24th of March 2020, the Executive Office of Association Sala Moustaqbal held its …

Communiqué de l’Association Sala-Almoustaqbal Sur les répercussions de la pandémie mondiale Covid 19

Le bureau exécutif de l’Association Sala-Almoustaqbal a tenu sa réunion mensuelle à distance le mardi …

بلاغ جمعية سلا المستقبل حول تداعيات ومستلزمات مواجهة جائحة Covid 19     

عقد المكتب التنفيذي لجمعية “سلا المستقبل” اجتماعه الشهري عن بعد يوم الثلاثاء 24 مارس 2020،لتدارس …

بيان الجمع العام الخامس لجمعية سلا المستقبل 

بناء على المادة التاسعة والمادة العاشرة من القانون الأساسي لجمعية سلا المستقبل انعقد يوم الأحد …

اختيار إسماعيل العلوي رئيسا مؤسسا لجمعية سلا المستقبل

اختارت جمعية سلا المستقبل إسماعيل العلوي في منصب الرئيس المؤسس لها ، و انتخبت احد …