الرئيسية » آراء ومواقف » ..وجهة نظر، في مواجهة…. “لعنة”.. فيروس كورونا المستجد

..وجهة نظر، في مواجهة…. “لعنة”.. فيروس كورونا المستجد

بقلم الأستاذ  سعيد الرهوني

وحدها “اللعنة” ..La Malédiction تستطيع استيعاب هول صدمة..وزلزال ما يحدث..عالم ضوئي فوري ومشهدي  جبار.. ينهار نموذجه الحياتي اليومي،وصخبه، وضجيجه، وشقاواته؛ و فجأة،  وفي مشهد كفكاوي مرعب، يتوقف ،في سابقة تاريخية ، عن  العمل، وعن الانتاج و عن فرح الحياة التي تربينا عليها بمعناها العصري..حتى ينزوي  كل منا.. وحيدا في حجره الصحي الضروري و الإلزامي..بسبب فوضوي خلاق للفوضى، يتعلق  بغزو جائحة طبيعية..PANDÉMIE..شرسة وفتاكة وعدوة للإنسان،  لانعرف عنها الكثير، وعما تخبئه  لعنتها…كل يوم في حياتنا كنوع …

 وحدت اللعنة العالم… بكل أطيافه ومستوياته و تفاوتاته و خصوصياته و تخومه، في مشهد تراجيدي ومأساوي،  ومجنون ومهيب…. غير قابل للتخيل سابقا…..

فجأة، اختفت  في حياتنا اليومية ، وكذا  عن أنظارنا ومشاهدنا وشاشاتنا ومخيلتنا..إلهام وسطوة  الحشود   و الجماهير، والأناشيد، والغناء، والصلاة والتدين، والتعبد      و معهم متعة النزهة والسفر والسياحة وتقاسم المشترك…

أخلى الفيروس اللعين وعبر العالم وببرمجة متواترة، كل الأمكنة المكتظة و ساحات وفضاءات اللقاء و الاستعراض والرقص ، والراحة والشغ

ف والرغبة و اللذة والمتع، واللهو، والخواء…..،ليقبع كل منا، إلزاميا وحيدا،  ربما لأول مرة في حياته … ليواجه سؤال رعب مصير “البشر” المحتمل، أمام عدو خطير، فتاك،غير مرئي  وغير ملموس، وغير معروف تقريبا..مما يدلنا للأسف ، على مقدار “بلادة” الحضارة الإنسانية في الاستثمار  القبلي في منظومة “أمن الانسان وسلامته الجسدية”، رغم ضخامة الثروات والأموال المتوفرة، لذلك نلتقي جميعنا، على واجب  احترام  الصين كنموذج ومرجع، بعدما حمت الإنسانية من تفشي وباء عالي الشراسة، بقدر ما علمت الانسانية و بشكل عملي فوائد وايجابيات  النظام والانضباط و الفعالية في مواجهة نصيبها من اللعنة…..

الأمل أن تفرج قساوة اللعنة، عن نموذج إنساني أكثر  اعتبارا واحتراما، لحق كل إنسان في الأمن والسلامة والحماية والاعتراف، دون تمييز أو تقصير ، وواجب تغليب مسؤوليتنا كأفراد أولا  .. وفي كل مكان في الكون، في حماية “مغامرة النوع الانساني”  الحضارية الجبارة و الملهمة والمذهلة ، في مواجهة جائحة فتاكة مفاجئة، وتعمل بسرعة الضوء، وتخيم ككابوس عصابي على مخيلة وحضارة البشر،  الذين بدؤوا يفقدون علاقتهم بالفرح والبهجة واللذة والحنان والآخر،و بكل قيم العصر السابق.. في فرصة نادرة ربما…لاسترجاع علاقتهم بذواتهم، كسقف آخر للوجود ولاستمرار النوع البشري.

تجاوز لعنة الكورونا .. تفرض علينا إبداع ذكاء جماعي من جيل جديد، بعدة منهجية و مفاهيمية وقيمية مغايرة، نتعلم اليوم “شقاء”.. دروسها  وعلينا واجب تخصيبها و ترصيدها.. دون أن ننسى ، في لحظة التأمل هاته، التي أتمنى مواصلتها، استلهام واستشراف دلالات ومعاني.. نبوءة.. فيلسوف التاريخ هيغل: 

“إن التاريخ ليس مسرحا للسعادة، بل أن فترات السعادة صفحات خالية فيه “

ولأن اللعنات لا تهزمها غير الملاحم  كما علمنا التاريخ، نحتاج كونيا إلى تحصين ذواتنا من كل غواية بالاختلاط، كسلاح للمقاومة والصمود في حجرنا الصحي الضروري والالزامي، حتى نشيد ملحمة بطولية لقهر الجائحة اللعينة، مسترشدين بمعنى البطولة الملحمي عند النابغة نيتشه

” البطولة هي أن تمشي في ذات الوقت، فوق أقسى معاناتك وأسمى معانيك”….

تحية صامدة ومناضلة وبطولية لكل منتسبي النوع البشري الذي “نحب”.

 

تأملات  في مواجهة جائحة COVID 19…المحاولة رقم 2

تجتمع في ظاهرة: جائحة COVID 19 بعض القوانين الكبرى لمنظومة فكر وثقافة عصر “ما بعد الحداثة”، ألخصها كالتالي:

* قانون التعقد: La Complexité:   بصعوبة، إن لم نقل استحالة تفكيك وفهم واستيعاب السيل الهائل المتدفق، عبر القنوات و الشبكات والوسائط الرقمية من المعلومات والمعارف والأحداث والوقائع البديلة عن معارفنا وخبراتنا  السالفة ، مما يضع العقل البشري أمام مأزق حقيقي، وهو ما يكثفه اليوم بكل رهبة وذهول عجز الذكاء الإنساني عن توفير معرفة فعالة وموثوق منها حول الجائحة ” الطبيعية المصدر”،رغم كل الطفرات العلمية والخبرات والتجهيزات البيولوجية المتاحة عبر العالم، في مواجهة فيروس واحد؟.

* قانون اللايقين L’incertitude  : حيث لم يعد ممكنا اليوم التشبت بيقين ما، سوى ما يتدفق عبر سيولة الضوء والشاشات والوقائع الفعلية والبديلة…عن انتظاراتنا واستعداداتنا…و نكتشف اليوم مع هول تمدد الجائحة،كيف ينهش اللايقين طمأنينة النوع البشري حول مصيره المشترك، ويسائل حق البشرية كنوع في البقاء والأمن الصحي والسلامة الجسدية والحماية والرعاية والتضامن والإخاء.

* قانون اللامرتقب L’imprévisible : حيث تقتحم مسار التاريخ وقائع وأحداث وظروف خارجة عن الإدراك الاستباقي للأفراد والأمم والمنتظم الدولي، ويمكن اعتبار أحداث 11شتنبر 2001 إحدى التعبيرات الصارخة عن جبروت هذا القانون، الذي يتخذ طفرة جديدة مع الجائحة التي صدمت كل الإنسانية،  ولانعلم ماتخفيه تداعياتها في قادم الأيام. 

* قانون التسارع L’accélération : الذي أكدته ماسمي بموجة “الربيع العربى”، حيث يمكن لحدث فردي  ومنعزل أن يتحول لقوة دينامية زاحفة ومتسارعة، بشكل لايمكن السيطرة عليه، بفضل العصر التواصلي والشبكي والرقمي والاندماج اللا محدود واللامعلوم بين البشر. ودليلنا على دينامية هذا القانون المجنون، مانلحظه من انتشار مهول للجائحة في 196 دولة اليوم، بوتيرة لا تهدأ ولا تتعب، ولا تكف عن إثارة هلع وجزع الانسان حول العالم، الذي تخضع أغلب شعوبه و دوله لحجر صحي غير مسبوق في التاريخ، كحل لابديل عنه لكسر سلسلة انتقال الجائحة الشريرة الضوئية السرعة.

وبعد…وعلاقة بمواجهة لعنة الجائحة COVID 19، علينا التحلي بالكثير من التواضع، في علاقتنا كنوع/كبشر، بالطبيعة..وأن نكف عن الانتشاء الوهمي بالسيطرة والغلبة، وأن نستكشف في ذات الوقت مناهج وأدوات ومداخل جديدة ومختلفة في تصحيح العلاقة بالطبيعة، وبالكوكب الأزرق الذي نسبح  جماعيا  في مجرته, ضمن الكون/ الكسموس البديع اللامتناهي الامتداد و المجهول.

ويحضرني هنا على سبيل الختم ، قول حكيم وعميق وملهم لنبوغ ماركس الشاب في مخطوطات 1844، حيث يخط:

” الإجابة الحقيقية عن السؤال القائم بين الإنسان والطبيعة، إنها الخاتمة النهائية للشجار القائم بين الوجود والجوهر، بين التحقق الموضوعي وتأكيد الذات، بين الضرورة والحرية، بين الفرد والنوع…وحدها هذه الإجابة، تحل لغز التاريخ، وتعرف أنها تحله.”

أعتذر عن الإطالة، وحفظ الله المغرب والانسانية جمعاء من الجائحة اللعينة.

 

تأملات ….في مواجهة  جائحة COVID19   اللعينة.. المحاولة رقم 3

عطفا على المحاولتين السالفتين، والقناعة بكوننا نواجه ظاهرة/ جائحة لعينة عالية التعقيد، حبلى باللايقين ، مسكونة باللامرتقب ، ومهووسة بالتسارع والتمدد والتخفي ؛أغامر بالقول ، ونحن مشدودون بفزع ،يوميا وكل ساعة ، إلى لعبة / لعنة عداد الإصابات والوفيات التصاعدي المخيف: أننا نواجه كبشرية، (غزوا ) كوكبيا وموضعيا شاملا وممنهجا و مفاجئا , لا مرئيا ولا ملموسا ومجهري القياس، بخصائص بيولوجية من نوع وجيل جديد، لم يتمكن وعينا وعلمنا العصري من تصنيفه وفهمه حتى الآن، بل أكاد أجزم أن مصطلح (الحرب La Guerre)المستعمل  خاطئ وغير إجرائي ، فقد علمنا كتاب « فن الحرب » الصيني قبل آلاف السنين قانونا أزليا مفاده: 

(أنه لايمكن مواجهة عدو لانعرفه، فبالأحرى أن نهزمه)، وكم نعاين بأسى اليوم، تخبط وتضارب مواقف واستنتاجات المجتمع العلمي والطبي والبيولوجي أمام ما تفرزه الجائحة من حقائق ووقائع بديلة : (استهداف الرضع والاطفال والشباب نموذجا، والانقضاض بشراسة على كل من يستهين بجديته وشراسته، وعلى كل ما يتحرك ويجتمع ويختلط)، مما يجعلنا أمام لوحة مبهمة وغامضة ومحرجة تقريبا لحقيقة علمنا بخصائص الفيروس اللعين، الذي لا يكف عن تحدي و احتقار الذكاء العلمي والطبي للإنسان، وعلى إفراز   قانون ذاتي فائق الذكاء للتطور والتحول والتخفي ،كما لم نشهده من  قبل على امتداد تاريخ الطبيعة المعلوم والنوع البشري .

ويكفينا درسا لغرورنا ولامبالاتنا ولامسؤليتنا أمام واجب الحجر الصحي الفردي  و إعمال قيم التواضع  والمسؤولية والتضامن والالتزام ، ما يشهده انتشار الجائحة في أقوى دولة في العالم من جنون فائق لكل وصف، كفيل بأن يضعنا جماعيا أمام سؤال المسؤولية المشتركة للنوع البشري عن البقاء أو الفناء؟؟ على الأقل حتى فك طلاسيم الفيروس اللعين؛والواضح أن العديد منا كونيا،  لم  يستوعبوا  بعد خطورة مايجري،  وما قد يحصل بسبب خرق الحجر الصحي، و بفعل  تغليب بؤس وتفاهة ثقافة الأنانية والانتهازية والخداع و الرياء والنفاق والتسيب و الاستهتار بالصالح العام والمصير المشترك، فهل آن الوقت لنتعظ، ونتسلح بوعي يقظ ومسؤول اتجاه الذات والآخر ؟ سؤال يبدو  استحقاق إجابته رهينا بمنحى تطور عداد الإصابات والوفيات  الناظم لمدى زمنية الحجر الصحي محليا ودوليا. علما أن القاعدة المنهجية تؤكد: أنه كلما تم الالتزام الصارم ببرتوكولات الحجر الصحي قلت مدته، والعكس بالعكس.

لذلك ، ومع التعبير عن تضامننا وتعاطفنا ومؤازرتنا ومواساتنا لكل ضحايا الجائحة الفتاكة،  يبدو السؤال التربوي والقيمي والسلوكي اليوم بشأن مسؤولية الإنسان الفرد …كل إنسان فرد…في قلب معادلة معركتنا الكونية الجماعية لإنجاح سلسلة وقاية وحماية “الحجر الصحي الفردي الضروري والالزامي” لمواجهة غزو الجائحة الشريرة والفتاكة؛ 

وأنتقي في هذه اللحظة المصيرية،قصد التأمل والتفكر الفردي ، مقولة كثيفة الدلالة لماركس الشاب، حين يقول:

(ومع أن الإنسان فرد فريد، وهذه الخصوصية بالضبط ما يجعل منه فردا، إلا أنه بالقدر ذاته الوجود الذاتي للمجتمع، كما تم التفكير به و تتم ممارسته ، إنه يوجد في الواقع بصفته المثل الأعلى والعقل الحقيقي للوجود الاجتماعي، ولمجموع التجليات الانسانية للحياة)

وأختتم  المحاولة بمقولة فذة للشاعر الفيلسوف الألماني  “هولدرلين”، حين يشحذ فكرنا بحكمة : (كلما كبر حجم الأخطار التي تهددنا، كبر دور ما من شأنه أن ينقذنا.)

تحية التزام وصمود و مقاومة وبطولة وانتصار لكل شموع ومنارات الحجر الصحي عبر العالم ، و ليحفظ ربنا العظيم والقدير الانسانية جمعاء…..

 

تأملات في مواجهة جائحة كورونا… المحاولة رقم 4

 

تتبدى جائحة COVID19 اللعينة، كقدر جماعي للإنسانية… يؤكد ارتباط مصيرنا المشترك، وبكون كل ما يحدث في العالم ، يمكن أن يحدث لنا…وهو ما تكشفه الجائحة…. ككابوس كوكبي عابر للحدود والدول والقارات والحضارات والثقافات والديانات والأمم والأفراد…..كابوس يتشكل -كوانتيا – كثقب أسود لا يكف عن الزحف والتمدد… ليمتص الطاقة الايجابية لحياة…. ولحق بقاء البشر….كابوس يبتلع  ويشل مؤقتا…كل مظاهر الاجتماع والاختلاط والاندماج البشري، الذي يمثل الخيط الناظم لتطور وارتقاء الحضارة الانسانية ، وصولا لعصر العولمة الذي يكثف انتصار الزمان على المكان…….كابوس يلتف بإصرار على كل الأمكنة والصور  والكتابات والعلامات، ليغمر شاشاتنا و ينحت مخيلتنا بمشاهد تراجيدية وسريالية ، تفجر في وجداننا و مشاعرنا ،رغما عنا، كل ينابيع التعاطف والحنان الإنساني الخامدة و الراكدة… بقدر ما تكشف كذلك ، وربما لأول مرة منذ زمن طويل،عن مدى محدودية وعجز  جسد وذكاء الإنسان أمام جبروت الطبيعة، لتنفض عنا، وربما لزمن مديد ، أوهام العظمة والكمال والتعالي على قوانين الطبيعة.

لذلك ما أحوجنا اليوم ، كأفراد، وكمجموعة وطنية ودولية، إلى إعادة الاعتبار جماعيا لقيمة العقل والفكر والذكاء الجماعي والخيال والحلم  والتعاطف والتضامن والأمن الإنساني  ، كخاصية فريدة للإنسان، بواجب إعمال المراجعات والإبداعات والاختراقات الكفيلة بتصويب وتصحيح اختيارات نمط ونموذج  عولمتنا المعطوبة حتى إشعار آخر…..المنبهرة سابقا…بتأليه مراكمة واحتكار المال والثروة وسلطة القرار والنفوذ ،المستغرقة في حرب استنزاف مجنونة لإرادة القوة

 و سباق التسلح  والحروب ….المفتتنة بتسويق استيلاب التقنية لماهية وجوهر الإنسان، بنفحة مبالغ فيها، لتشجيع تقديس الجماهير والحشود  الافتراضية للنزعات النرجسية للفرجة والمتعة واللذة و تمجيد العنف  وشراهة الاستهلاك.

نحن اليوم في خضم لحظة فاصلة بين المأساة والملحمة، بأولية تأكيد حاجتنا لبعضنا البعض، سواء من خلال تجربة الحجر الصحي كحماية وقائية متبادلة ، أو في استشراف لهفتنا لاكتشاف لقاح أو دواء ناجع لسحق الفيروس الفتاك؛ وليس لنا من خيار غير التخلي عن أنانياتنا… التي كشفت الجائحة عن قصورها وتفاهتها، والاقتناع بحاجتنا الأبدية لبعضنا البعض، وكم نحتاج لاستحضار درس فيورباخ الحكيم في كتابه القيم: مبادئ فلسفة المستقبل، حين يبدع مقولة جبارة، تختزل ربما ، كل ما نحن بصدده من معاناة و استحقاق آني لكينونة العيش والوجود:

( فقط..الكائن المحتاج هو الكائن الضروري، إن وجودا لا حاجة له، لا حاجة إليه، ومن هو محروم من كل حاجة، لا يشعر بحاجة إلى الوجود، إن كينونة بلا عذاب، هي كينونة بلا أساس، فقط يستحق الوجود من يستطيع أن يتعذب، فقط الكائن المتألم كائن إلاهي، إن كائنا بلا اعتلال ، كائن بلا كينونة.)

وأخيرا، تحية تقدير واحترام وامتنان إلى كل مناضلات ومناضلي البشرية والوطن المغربي… من سلطات عمومية

 و طواقم طبية و صحية وصيدلية و نخب علمية في المختبرات والمستشفيات، الذين يقدمون للإنسانية درسا ملحميا مليئا بالتضحيات والبطولات… عن معنى حب وشغف الحياة،  حتى نستحق أن تصدح حناجرنا عاليا بشعار : “تحيا الحياة”…….

 

تأملات… في مواجهة جائحة كورونا…المحاولة رقم 5

 

بالعطف على المحاولات السابقة، فإن جائحة COVID19، تجترح في ترسباتها وتراكماتها وامتداداتها…معضلات وتحديات متراكبة ،تكشف مدى هشاشة و شكلانية النظام الدولي القائم…وانغماسه في أتون أزمة كوكبية  لا متوقعة و غير مسبوقة،تسائل وتخلخل  مرتكزات و أولويات السياسات المهيكلة لعصر العولمة ….. وتكشف عورات استراتيجيات الأمن الدولي والقومي المعتمدة، و اختلالات فرضيات القوة والسيطرة و جدوى التكتلات ،بقدر ما تفضح رخاوة وخواء روابط مجتمعات الاستهلاك والفرجة والترفيه، وزيف  شعارات الإيمان بوحدة المصير الإنساني ، وبسمو القيم الروحية والأخلاقية والعقدية المؤسسة لمركزية الإنسان في الكون…باعتباره حاملا تاريخيا فريدا في الطبيعة، لطموح وغريزة الاجتماع والاندماج والاعتراف، ولملحمة تشييد حضارة المعرفة والعلم والعمران والتقدم والرفاه.

ويكفي تتبع ردود فعل  المجتمع الدولي حول صدمة الجائحة، وخصوصا عقب اعتماد منظومة الحجر الصحي، حتى تتشكل أمامنا شبكة قراءة جديدة للعلاقة بين الدول والقوى الكبرى، عناوينها الكبرى أسبقية المصالح الذاتية واللامبالاة بالآخر…..فيما يعيش الفرد / الإنسان منا، مع الحجر الصحي ،معارك ذاتية ضارية لإعادة اكتشاف وترتيب علاقته بالحق المقدس في الحياة، و بذاته وجسده ومعتقداته، و بالجماعة المصغرة للأسرةوالعائلة؛ بينما ترتسم في الفضاء العمومي  معالم تأسيسية جديدة لمشروعية الدولة الحديثة وعلاقتها العضوية بالمجتمع، و في خضمها تطفو على سطح السياسة أسئلةملتهبة كونيا ،عن معنى رابطة  المواطنة ومكانة المرفق العمومي وأولوية خدمة الصالح العام؛  

وفي المقابل، تنبثق من رحم مخاضات وعتمات الحجر الصحي، شكوك صادمة لكل فرد منا، حول ضمانات الاستقرار  الفردي والأسري والمهني، و التنقل داخل الحدود وعبرها ،وحوافز وقيود الحق في العمل والشغل،فضلا عن تهديدات الحماية والرعاية والأمن الفردي والجماعي ، في ظل بروز قضايا لم يسبق للذكاء البشري  التفكير الجدي في احتمالاتها ، ووضع سينايروهات استباقية للتعامل معها ؛ مما يضع العالم في فوهة صدمة اكتشاف الإنسانية المروع لدرجة قابلية اختراق جسد الإنسان ونهش وظائفه الحيوية من قبل كائنات طبيعية مجهرية وشريرة؟؟؛

إننا بدون شك،  أمام جائحة وبائية رهيبة، تحترف تقنية البرمجة والتخفي والتمدد، بما يجعل معركتنا  المصيرية كنوع ضدها، تحديا للعقل وللعلم وللذكاء الانساني،سينجم عنها لا محالة، تدشين منعطف تاريخي نوعي ومتدرج ،قد يعادل في زخمه طفرات الثورات الكبرى للتاريخ الإنساني:(الثورة الزراعية/ الثورة الصناعية/ الثورة الديموغرافية/ الثورة المعرفية والتكنلوجية/ الثورة الرقمية..)، ولعل المقاربة الصينية والشرقية عموما  في تدبير الجائحة والسيطرة عليها، ستمثل مرجعا ثمينا لباقي البشرية، ليس فقط في توفير احتياجات الغذاء وبنيات العلاج،وفرض النظام والانضباط  والالتزام بقواعد الحجر الصحي ، بل وبالأساس  عبر الاستثمار النافع في الذكاء والاختراع والتقنية ،من خلال إبداع مقاربة و هندسة : بانوبتيكية Panoptique جديدة للأمن الصحي الفردي والجماعي، تقوم على تجميع وتشبيك وتسخير قاعدة معطيات متكاملة  فورية ومرقمنة للساكنة، عبر نظام مراقبة  مجالي دقيق بالكاميرات، يتعرف على ملامح  وسحنات وهويات الجميع، ويسخر  لرصد و تتبع وتحيين وتقاسم الوضعية الصحية  لكل فرد ، ومراقبة تنقلاته وتحركاته عبر التطبيقات المعلوماتية، بما يجعل الجميع مسؤولا سلفا عن أفعاله وممارساته، بشفافية  لا تكذب ولا تخدع ولا تؤذي الآخرين،وهي مقاربة مرشحة بقوة لكي تشكل ، بالتنويعات والخصوصيات الضرورية،إحدى  الآليات الأساسية لتدبير الأمن الصحي للمجتمع الدولي في مرحلة  ما بعد الحجر الصحي؛ مع واجب اعتبار تكلفتها الباهضة بالنسبة لمفهوم الحرية الليبرالي و حرمة المعطيات الشخصية؛ لكن في المقابل ، باستحقاق ضمان حق الإنسان المقدس في الحياة والأمن الشخصي والسلامة الجسدية، ولتدشين عصر الثورة الأمنية والصحية للإنسان، التي ترتسم معالمها، كإجابة كونية تشاركية وتضامنية ضرورية وملزمة ، لاستحقاقات زمن استمرار حضارة  إنسان  ……..مابعد جائحة الكورونا.

شاهد أيضاً

بلاغ جمعية سلا المستقبل حول تداعيات ومستلزمات مواجهة جائحة Covid 19     

عقد المكتب التنفيذي لجمعية “سلا المستقبل” اجتماعه الشهري عن بعد يوم الثلاثاء 24 مارس 2020،لتدارس …

بيان الجمع العام الخامس لجمعية سلا المستقبل 

بناء على المادة التاسعة والمادة العاشرة من القانون الأساسي لجمعية سلا المستقبل انعقد يوم الأحد …

اختيار إسماعيل العلوي رئيسا مؤسسا لجمعية سلا المستقبل

اختارت جمعية سلا المستقبل إسماعيل العلوي في منصب الرئيس المؤسس لها ، و انتخبت احد …

صور من حفل تأبين الراحل حميد بلقاضي

مؤشرات التنمية المستدامة للمجال الترابي لعمالة سلا

نظمت جمعية سلا المستقبل ومؤسسة فريدريش إيبرت، بشراكة مع المندوبية السامية للتخطيط، ضمن أنشطة المرصد …